2008/02/07

تعديل الدستور الجزائري في مزاد الحسابات السياسية والمطالب الشعبية






كتبت من الجزائر: مروة يونس








تعديل الدستور.. ومنح الرئيس " عبد العزيز بوتفليقة " فرصة للترشح لعهدة ثالثة .. سر من الأسرار الشائعة التي تتداولها النخبة السياسية في الجزائر منذ أكثر من عامين ، وتتلقفها وسائل الإعلام المحلية والدولية بالتحليلات والتكهنات ، في محاولة لاكتشاف مسبق لملامح الانتخابات الرئاسية القادمة المقرر إجراؤها في أبريل من العام 2009 .. أما الشارع فلسان حاله يتحدث بلغة أخرى ، مليئة بمشاغله ومشاكله الاجتماعية التي يزيدها ارتفاع الأسعار حرارة ، دون غيرها من آليات الرقص على إيقاع المزايدات السياسية والطموحات الحزبية !!
ورغم ما يدور هنا وهناك بين أطراف الساحة السياسية التي تعج بتيارات حزبية مختلفة ، إلا أن النقاش السياسي الدائر بينها حول ملف تعديل الدستور ، لم يخرج عن إطار الترقب لخطوة رسمية ينتظرها الجميع ، باتخاذ الرئيس " بوتفليقة " لمثل هذا القرار ، الذي من شأنه إعادة النظر في نظام الحكم القائم حاليا على المزج بين النظامين الرئاسي والبرلماني .. مع ميل واضح لتجسيد شكل النظام الرئاسي .
المتابعون للشأن الجزائري يعترفون بأن الرئيس " عبد العزيز بوتفليقة " صاحب الخيار الأول والمخول قانونيا باتخاذ القرار بشأن التعديل الدستوري ، كان مقلا جدا في حديثه عن هذا الموضوع .. فرغم انتقاداته اللاذعة التي وجهها منذ توليه مقاليد الحكم في العام 1999 للدستور الحالي ، باعتباره دستور أزمة حمل كثيرا من الخلط بين النظامين الرئاسي والبرلماني .. إلا أنه أجل دعوة الجزائريين للتصويت على ما قال أنه استفتاء شعبي على التعديلات الدستورية إلى الذكرى 44 للاستقلال ، مطلع يوليو من العام 2006 ، فأمام خطاب ألقاه على ضباط الجيش وقيادات وزارة الدفاع - آنذاك - تحدث الرئيس عن موعد قريب للإعلان عن التعديلات الدستورية ، وأمل في أن يجري الاستفتاء عليها قبل نهاية العام 2006 .. لترجمة انشغالات وتوجهات المرحلة الجديدة لتطور الدولة ، وتحقيق الاستقرار والقوة والفعالية لنظام الحكم في البلاد ، مع إشارة منه إلى ضرورة أن تعزز التعديلات الدستورية الحقوق والحريات الأساسية والرقابة الدستورية .. وكذا تحديد قواعد نظام سياسي واضح المعالم ، يضبط أكثر الصلاحيات والمسؤوليات ، ويراعي احترام مبدأ الفصل بين السلطات ، وينهي الخلط بين النظامين البرلماني والرئاسي .
كانت هذه هي الملامح الأولى والأخيرة التي كشف عنها الرئيس " بوتفليقة " بشأن خطوته المرتقبة ، والتي برر تأنيه في اتخاذها بالأولويات التي كانت متراكمة خاصة ما تعلق منها بمكافحة الإرهاب .. وبعد أن تجاوزت الجزائر حالة الأزمة والاختلال ، فقد أصبح من الضروري طرح هذه المسألة ، لخوض المرحلة الحاسمة في مسار التنمية .. لكن إشارات الرئيس " بوتفليقة " إلى ملف تعديل الدستور ، عادت لتختفي من خطاباته الرسمية وحواراته الصحفية، لتعود في مارس من العام 2007 ، خلال إجابته على سؤال طرحته عليه صحيفة " إلباييس " الاسبانية حول رغبته في الحصول على عهدة ثالثة ، عندما قال بأن ذلك أمر يرجع للجزائريين .. ليعود ويتراجع خطوة أخرى في حوار مع وكالة الأنباء الايطالية منتصف نوفمبر الماضي ، حيث اعتبر أن الحديث عن هذا الموضوع في الظرف الحالي يعتبر مزايدة ، ومحاولة لاستدراجه نحو تخمين عقيم ، مع تأكيد منه على عزمه احترام سيادة الشعب ، وكل ما له من وسائل ديمقراطية للتعبير تحت جميع الظروف .. بما فجر أكثر من علامة استفهام حول معنى الرسالة المشفرة التي حملتها إجابته المقتضبة على سؤال صحفي ، وانشغال سياسي تحول إلى صداع نصفه في رأس النخبة السياسية ، ونصفه الآخر في رأس المتابعين للشأن الجزائري !! فهل تراجع الرئيس " بوتفليقة " عن نيته في مراجعة الدستور ؟ !! وما هي أسباب عرقلة مثل هذا المشروع ؟ !! وهو ما يفتح - أيضا - الباب على مصراعيه للعودة إلى السؤال البديهي .. ما ضرورة إجراء تعديل دستوري في الجزائر ؟ !!!

خلفيات

قبل الخوض في دواعي إجراء تعديل دستوري في الجزائر من عدمه .. لا بد من تقديم صورة بانورامية للنماذج الدستورية التي شهدتها البلاد .. حيث استهلكت الجزائر منذ استقلالها عام 1962 أربعة دساتير .. كان أولها دستور 1963 الذي تم إقراره باستفتاء شعبي ، ورسمت مواده صورة الدولة على أنها جمهورية تلتزم الاشتراكية والحفاظ على الثقافة العربية والإسلامية .. وبعد الإطاحة بالرئيس " أحمد بن بلة " عام 1965 تم تعليق العمل بالدستور إلى غاية العام 1976 ، تاريخ إقرار الدستور الجديد ، و ما عرف باسم مشروع الميثاق الوطني عن طريق استفتاء شعبي في عهد الرئيس " هواري بومدين" .. وأعاد الدستور الجديد التأكيد على الالتزام بالاشتراكية ، كما أعلن "جبهة التحرير الوطني" الحزب السياسي الشرعي الوحيد في البلاد .. وخضع دستور 1976 إلى 3 تعديلات في عهد الرئيس " الشاذلي بن جديد " خلال الأعوام 1979 و1980 و1988 ، تم الأول والثاني عن طريق مجلس الشعب ، بينما تم إقرار التعديل الثالث عن طريق استفتاء شعبي ، وتعلقت أغلب بنوده باستحداث منصب رئيس الحكومة وتحديد صلاحياته .. ليولد عام 1989 ثالث دستور في الجزائر ، والذي مثل نقطة تحول جذرية للنظام ، بعد أن ألغى المصطلحات الاشتراكية التي حفلت بها الدساتير السابقة ، وأنهى احتكار " جبهة التحرير الوطني " للعمل السياسي ، وأقر التعددية الحزبية والإعلامية وأسس لحرية التجارة والصناعة ، ونص على مبدأ فصل الدين عن الدولة، وأبقى على مجلس تشريعي واحد ، مع تأكيد على دور رئيس الجمهورية الذي أصبح القوة السياسية المهيمنة في البلاد ، من خلال منحه صلاحية تعيين رئيس الحكومة وعزله ، وتخويله السلطة على الشؤون العسكرية .. فضلا عن حذف جميع النصوص التي تشير إلى الميزة الفريدة والتاريخية لجبهة التحرير الوطني، والى دور القوات المسلحة كحام للثورة .. ومع انفجار الأزمة السياسية عام 1992 عقب إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية التي فاز بها – آنذاك – حزب " جبهة الإنقاذ الإسلامي " ، تم تعليق العمل بالدستور حتى عام 1996 ، تاريخ إقرار رابع دستور للبلاد عن طريق استفتاء شعبي في عهد الرئيس " ليامين زروال " ، وهو الدستور المعمول به حاليا ، وقد جاء هذا الدستور لملأ بعض الفراغات التي ظهرت على دستور1989 ، ونص على استحداث مجلس الشورى – الأمة- وإضافة شروط إقصائية للترشح لمنصب رئاسة الجمهورية ، فضلا عن تحديد إمكانية تجديد العهدة الرئاسية ومدتها 5 سنوات لمرة واحدة فقط .. ومن حينها خضع هذا الدستور إلى تعديل مرة واحدة ، تم عن طريق البرلمان عام 2001 ، عقب ما عرف بأزمة الربيع الأمازيغي ، حيث أقر الأمازيغية كلغة وطنية استجابة لمطالب أبناء منطقة القبائل .

انتقادات

يتفق كثير من الساسة في الجزائر على اختلاف توجهاتهم الحزبية ، على أن الدستور الحالي قد تم اعتماده في ظروف استثنائية تتعلق بالأزمة الأمنية التي مرت بها البلاد في التسعينيات .. لذا فقد أصبح تعديله ضرورة سياسية ملحة ، للعمل على تكييف مؤسسات الدولة مع التطورات والإصلاحات التي مست مختلف المجالات .. ويأتي التعليق الذي أطلقه " عبد الحميد مهري " وهو أحد الشخصيات السياسية والتاريخية ذات الوزن الثقيل .. ليعزز موقف المعارضين للدستور الحالي ، عندما عبر عن قناعته بأن المشكلة الحقيقية في الجزائر ، لا ترتبط بمجرد اختيار رجل قادر على حل مشاكل البلاد .. ولكن المطلوب هو بناء نظام حكم يمكن جميع الجزائريين من المساهمة الفعالة في إيجاد الحلول .. لذا فإن تمديد فترة الرئيس " بوتفليقة "، دون تغيير جذري لنظام الحكم يدفع البلاد في أقل تقدير، نحو عجز أكبر عن حل مشاكلها ومواجهة التحديات الكبرى التي تنتظرها في الداخل والخارج.. كما أن تتويج رئيس جديد، مهما كانت مؤهلاته، دون تغيير جذري لنظام الحكم، ستكون له النتيجة نفسها .
وفي صف المعارضين لدستور 1996 ، يقف بعض الخبراء المتخصصين في أنظمة الحكم ، الذين ينتقدون مزجه بين خصائص النظامين الرئاسي والبرلماني .. فرغم أن الدستور الحالي يمنح الرئيس صلاحيات واسعة ، إلا أن الإبقاء على منصب رئيس الحكومة ، يجعل السلطة التنفيذية في البلاد برأسين ، وهو ما يفتح المجال إلى إمكانية وقوع أزمة سياسية .. وبالعودة عدة سنوات إلى الوراء نجد أن صلاحيات رئيس الحكومة كانت موضوع جدل وخلاف ، أطاح ب" أحمد بن بيتور " أول رئيس حكومة في عهد الرئيس " بوتفليقة " عام 2000 .. ليعلن رئيس حكومة آخر في عهد " بوتفليقة " - " علي بن فليس " - في خضم أزمة الترشح للانتخابات الرئاسية العام 2004 ، انتقاده لاحتكار الرئيس " بوتفليقة " لجميع الصلاحيات .. وبرأي عدد من المراقبين فإن الإبقاء على الدستور بصياغته الحالية ، يفتح المجال إلى وقوع مثل هذه الأزمات وربما لتفاقمها ، بما يستدعي تقنين وتحديد الصلاحيات ، والاستغناء عن منصب رئيس الحكومة ، واستبداله بمنصب وزير أول .. وهو ما راج الحديث عنه ، بعد تسرب أول مسودة لتعديل الدستور ، كان قد رفعها حزب " جبهة التحرير الوطني " – الأغلبية – إلى الرئيس " بوتفليقة " نهاية العام 2006 .. والتي تضمنت - أيضا – جملة من التعديلات اعتمدت قواعد النظام الرئاسي ، تتعلق بتنظيم السلطات والعلاقة بين الهيئات المكونة للسلطة التنفيذية ، وتوضيح صلاحيات غرفتي البرلمان والعلاقة بينهما ، مع تدقيق العلاقات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ، وتعزيز الرقابة وترقية المنظومة الدستورية في مجال حقوق الإنسان .
وبعيدا عن محور الصلاحيات .. تعتبر المادة " 74 " في الدستور الحالي الأكثر إثارة للجدل .. سيما أنها تمنع تجديد العهدة الرئاسية لأكثر من مرة ، مدة كل عهدة 5 سنوات .. وهو ما يعتبره أنصار الرئيس " عبد العزيز بوتفليقة " يتقدمهم حزب " جبهة التحرير " – الأغلبية - حجر عثرة في طريق تحقيق الاستقرار السياسي والمؤسساتي للبلاد ، الذي يحتاج إلى عدم تقييد لسنوات الحكم الرئاسي .. ويعلل أصحاب هذا الرأي موقفهم ، بالإنجازات التي حققها الرئيس " بوتفليقة " منذ توليه الحكم عام 1999 ، باسترجاع الأمن والسلم ، وإنهاء العزلة الدولية التي فرضتها سنوات الأزمة الأمنية على الجزائر ، ثم إعادة تدوير عجلة التنمية الإقتصادية التي تحتاج لسنوات أخرى ، حتى تتمكن البلاد من حل مشكلاتها .. واستكمال مسار التنمية المنشود .

مواقف

وليس مبالغا فيه القول بأن الحديث عن تعديل دستوري في الجزائر ، أصبح مقترنا بفكرة السماح للرئيس " عبد العزيز بوتفليقة " للترشح لدورة رئاسية ثالثة .. بعد أن ارتفعت الأصوات المنادية بهذه الخطوة ، وأضحت عنوانا رئيسيا للترويج لهذا المشروع .. سعيا إلى إلغاء المادة 74 من الدستور الحالي ، وتمديد فترة الدورة الرئاسية إلى سبع سنوات .. فدعوة الرئيس " بوتفليقة " إلى تعديل الدستور في يوليو 2006 ، كانت ضوء أخضر تلقفه منذ البداية حزب " جبهة التحرير الوطني " الحزب الحاكم ، ليبدأ حملة دعم ومساندة تدعو الرئيس إلى الترشح لعهدة ثالثة .. وتأكيد على أن هذه الخطوة تمثل خيارا استراتيجيا يضمن استكمال مشروعات التنمية التي كان قد بدأها الرئيس منذ توليه الحكم عام 1999 .. وصمام أمان يحقق استمرارية الإصلاحات الاقتصادية والسياسية في ظل غياب بديل أو منافس جدي ، يملأ كل الفراغات على الأصعدة الداخلية والخارجية، ويضمن التوازنات داخل السلطة ومؤسسات الدولة .
ومع ارتفاع الأصوات المنادية بضرورة منح الرئيس " بوتفليقة " دورة رئاسية ثالثة ، بعد انضمام كبرى منظمات العمل الأهلي يتقدمها اتحاد عام نقابات العمال إلى صفوف المؤيدين .. مازال موقف كبرى الأحزاب الأخرى لا يراوح الغموض .. حيث يبدي حزبا " التجمع الوطني الديمقراطي " بزعامة " أحمد أويحيى "، و " بوجرة سلطاني " رئيس " حركة مجتمع السلم " المحسوبة على التيار الاسلامي ، نوعا من التحفظ بشأن حملة تعديل الدستور ، التي يقودها حليفهما في مثلث التحالف الرئاسي والائتلاف الحكومي حزب " جبهة التحرير ".. ويربطان الإعلان عن موقفهما بإعلان الرئيس نفسه عن رغبته في تعديل الدستور أو تمديد العهدة الرئاسية .
ويرى متابعون للشأن الجزائري أن " أحمد أويحيى " رئيس حزب " التجمع الوطني الديمقراطي " ثاني أكبر قوة سياسية في البلاد ، قد دفع ثمن معارضته لفكرة تعديل الدستور ، عندما اعتبرها ليست من أولويات الدولة ، حين تمت إزاحته من رئاسة الحكومة ، بعد موجة انتقاد عاصفة قادتها الكتلة النيابية لحزب " جبهة التحرير " ضده ، عندما طالبت الرئيس بإقالته من منصبه كرئيس حكومة ، باعتباره يعرقل برنامج الرئيس ، وهددت بحجب الثقة عن حكومته في حال عرضها لبيان سياستها العامة أمام البرلمان في 25 مايو2006 .. ومنذ ذلك التاريخ يحاول الحزب نفي التهمة عنه ، بتأكيد قياداته على الولاء لبرنامج رئيس الجمهورية ، وعدم معارضة فكرة إعادة ترشحه .. مع الاحتفاظ بحقه في التحفظ على أن يتحول الملف إلى قضية حزبية يسعى من خلالها غريمه حزب " جبهة التحرير" الحصول على مكاسب حزبية .
وربما كان موقف حركة " مجتمع السلم " أكثر صعوبة .. سيما مع بروز أصوات معارضة داخلها ترى في الترويج لبقاء "بوتفليقة " في الحكم إفلاسا سياسيا ، وأبرز هؤلاء المعارضين " عبد المجيد مناصرة " نائب رئيس الحزب ، الذي يرى بأن " مجتمع السلم " وجدت نفسها في حرج شديد بين الالتزام بقرار السلطة والالتحاق بموقف الحليفين ، وبالتالي الدعوة إلى التصويت على تعديل الدستور.. وبين الالتزام بمبدأ التداول على السلطة والحفاظ على المكاسب الديمقراطية والانتصار للإصلاح السياسي وبالتالي رفض التعديل .. بينما فضل " بو جرة سلطاني " زعيم الحركة ترك الفصل في موضوع ثقيل بحجم الرئاسيات وموقف الحزب منها وخيار الحركة لفارسها على حد تعبيره ، إلى هياكل الحركة وأطرها القانونية ، لكنه لا يتوان عن أبداء امتعاضه الشديد من تصريحات الأمين العام لحزب " جبهة التحرير " ، التي ذهبت إلى حد التهديد بانهيار التحالف الرئاسي بسبب الخلاف حول وجهات النظر بشأن مشروع التعديل الدستوري .
ولا يبدو موقف أحزاب المعارضة أحسن حالا من نظرائها في التحالف الرئاسي .. فالممارسة السياسية على مر السنين ، أثبتت فشلها في حشد التأييد الشعبي المطلوب لإحداث التغيير ، بعد أن تحول هذا المصطلح إلى شعار استهلاكي ، يؤكد مع كل موعد انتخابي إفلاس المنادين به سياسيا ، وفقدانهم للشعبية حولتهم إلى أقطاب للمعارضة من أجل المعارضة .. أبرزهم حزب " جبهة القوى الاشتراكية " بزعامة السياسي التاريخي البارز " حسين آيت أحمد " ، الذي يقود الحزب منذ عقود ، دون أن يرفع مبدأ التداول على السلطة داخل حزبه ، وغريمه في منطقة القبائل " سعيد سعدي " رئيس حزب " التجمع الوطني من أجل الثقافة والديمقراطية " ، الذي عانى من انشقاق أبرز قيادات حزبه بسبب رفضه مبدأ الاستماع للرأي الآخر .
أما " لويزة حنون " زعيمة حزب " العمال " الاشتراكي ، ففضلت عدم الخوض في الجدل القائم ، بشأن الموقف من إعادة ترشح " بوتفليقة " لدورة رئاسية جديدة ، لأن الأهم من وجهة نظرها هو الديمقراطية واحترام الإرادة الشعبية .. فما يريده الشعب هو الذي يجب أن يكون ، مع احتفاظها بوجهة نظر يقاسمها فيها حزب " الجبهة الوطنية الجزائرية " بقيادة " موسى تواتي " بأن الوضع العام للبلاد غير مناسب إطلاقا لتعديل الدستور .. مع تحذير من الانزلاقات التي قد تحدث ، إذا تم ذلك في ظل التشنج السياسي الحاصل والوضع الاجتماعي المتدهور إضافة إلى الظرف الأمني الحساس .

تكهنات

وإذا كان التعديل الدستوري في الجزائر أصبح كما وصفه " عبد العزيز بلخادم " خلال آخر اجتماع للهيئة التنفيذية لحزبه " جبهة التحرير " نهاية ديسمبر الماضي أمرا مقضيا .. فإن إرجاء اتخاذ هذه الخطوة منذ إعلان الرئيس " بوتفليقة " عنها في يوليو 2006 ، يطرح أكثر من فرضيات ، ويفتح المجال واسعا لنشاط بورصة التحليلات السياسية في محاولة لتفسير ذلك .. ويرى بعض المراقبين أن الرئيس " عبد العزيز بوتفليقة " فضل التريث قبل الفصل في آلية التعديل التي يتيحها الدستور الحالي ، والذي يمنح لرئيس الجمهورية حق المبادرة بالتعديل الدستوري ، على أن يتم عرضه على استفتاء شعبي خلال 50 يوما من تصديق البرلمان بمجلسيه على المشروع .. أو بالحصول أولا على موافقة المجلس الدستوري ، ومن ثم تصديق ثلاثة أرباع مجلسي البرلمان عليه قبل أن يصدره رئيس الجمهورية .. أو أن يبادر ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان بغرفتيه باقتراح تعديل الدستور على الرئيس ، الذي يمكنه عرضه على استفتاء شعبي .. ويرى أصحاب هذا الطرح أن الرئيس " بوتفليقة " فضل تأجيل قراره إلى ما بعد انتخاب البرلمان الجديد ، تفاديا لأي مفاجئات كان يمكن أن يفجرها برلمان سابق ، يجلس على مقاعده أكثر من 140 نائبا عارضوا ترشحه عام 2004 .. قبل أن يفاضل بين خيارين .. الأول أن تتم هذه الخطوة بالمرور عبر نواب الشعب ، لإضفاء مزيد من الشفافية على المشروع ، نظرا لأهميته في مسار تطور الدولة ، كما سبق أن حدث مع مشروع قانون السلم والمصالحة .. أو أن يجعل المشروع ينطلق من البرلمان أولا .. وفي كلتا الحالتين ، تشير مصادر سياسية إلى أن الأمر سيكون موضوع دورة طارئة للبرلمان خلال أسابيع قليلة ، تسمح بإجراء الاستفتاء الشعبي نهاية شهر يونيو القادم .
ويعتقد مراقبون آخرون أن الحالة الصحية الصعبة التي مر بها الرئيس ، كانت سببا رئيسيا في تأجيل خطوة تعديل الدستور .. وأن تحسن حالته الصحية الآن وخروجه من فترة النقاهة ، وموافقة فريقه الطبي له على العودة إلى ممارسة نشاطه العادي ، كانت وراء تحرك قوى المجتمع المدني والسياسي ، باتجاه تفعيل مطلب التعديل والترشح لدورة رئاسية ثالثة تبدأ في ربيع 2009 .. ويذهب فريق ثالث إلى الحديث عن اعتبارات أخرى كانت وراء التأجيل .. فبورصة المزايدات السياسية التي اشتعلت لتوفير الحشد الجماهيري خلف ترشيح الرئيس لعهدة ثالثة دون تركيز على باقي دوافع التعديل المنشود ، قد تحول الحق إلى باطل ، وتقضي على كل المكاسب الديمقراطية المحققة ، إذا صدرت إحساسا بفقدان الثقة في إحداث تغيير على السلطة .. وهو سبب كفيل بإفساد نية الرئيس مهما كانت ، سواء بتعديل الدستور والترشح أو بالإبقاء عليه ومغادرة الحكم في موعده .. ويرى أصحاب هذا الطرح أن الأحزاب الجزائرية ومنظمات المجتمع المدني وقعت في خطأ جوهري يمس بقانون الدولة وهو الدستور ، حين رفعت شعار "عهدة ثالثة للرئيس بوتفليقة"، لأن مثل هذا الشعار يدل على غياب الوعي السياسي وعدم احترام الدستور، فهم لم يفرقوا بين الدعوة إلى تعديل الدستور ، بما يسمح للرئيس بوتفليقة مع غيره الترشح لرئاسيات 2009، وبين الوقوف وراء الرئيس كمرشح محتمل مقابل مرشحين افتراضيين من الأحرار.. أما الأصوات التي تنادي برفض ترشح " بوتفليقة " لعهدة ثالثة فقد وقعت في الخطأ نفسه الذي وقعت فيه الأصوات المساندة له، وكان يفترض أن تقوم بحملة ضد تغيير الدستور وليس ضد منع شخص من الترشح في إطار دستوري .
وفي إطار التفسيرات - أيضا – تبرز وجهة نظر أخرى ، تربط قرار التأجيل ببعض المؤشرات التي عرفتها البلاد .. أبرزها الخوف من إمكانية تكرار العزوف الجماهيري عن التصويت على الاستفتاء الشعبي كما سبق أن حدث في الانتخابات التشريعية والمحلية الأخيرة .. وعودة الهاجس الأمني مع سلسلة تفجيرات انتحارية ضربت مواقع حساسة في الدولة بداية من 11 ابريل 2007 .. بما دفع الرئيس " بوتفليقة " إلى اعتماد أسلوب بالونات الاختبار ، الذي سبق أن اعتمده قبل إعلان ترشحه لرئاسيات 2004 ، عندما حبس أنفاس الجميع بإرجاء قرار ترشحه للحظات الأخيرة ، بعد استطلاع موقف الشارع والنخبة السياسية ، وقياس احتمالات الفشل والنجاح .. ويشير أصحاب هذا الطرح إلى الدور الذي يلعبه حاليا حزب " جبهة التحرير الوطني " في هذا الإطار ، من خلال دعوته للرئيس " بوتفليقة " لإعادة الترشح مرة ثالثة ، باعتباره مطلبا شعبيا .. وهي حملة بدأت تؤتي ثمارها ، مع أول جولة ميدانية قام بها الرئيس منذ شهور ، قادته قبل أيام إلى ولايتي " تمنراست " و" عين صالح " جنوب البلاد ، حيث حظي باستقبال جماهيري تحولت فيه تلويحات المواطنين بالرقم 2 الذي يعني علامة النصر له ، إلى الرقم 3 الذي يطالبه بالترشح لدورة رئاسية قادمة .
وبصرف النظر عن موجة الانتقاد التي يواجهها ما يصطلح على وصفه بدستور الأزمة ، الذي سير البلاد لفترة أطول من مدة صلاحيته ، ودستور قادم لا محالة .. تبدو شعبية الرئيس " عبد العزيز بوتفليقة " اليقين الوحيد الذي لا يحتمل أي تشكيك ، بما يؤهله للفوز بدورة رئاسية أخرى في حال ترشحه ، بعد أن غابت البدائل الحزبية .. وهي قضية أخرى تفجر علامات استفهام كثيرة تعج بها التجربة الديمقراطية في الجزائر .. وتفرض علينا أكثر من وقفة .

‏ليست هناك تعليقات: